الفيض الكاشاني
89
المحجة البيضاء في تهذيب الإحياء
العشر قليل من كثير وأنّه قد قنع لنفسه بأخسّ درجات البذل كما ذكرنا في فهم الوجوب ، فهو جدير بأن يستحيي منه فكيف يستعظمه وإن ارتقى إلي الدرجة العليا فبذل كلّ ماله أو أكثره فليتأمّل أنّه من أين له المال وإلى ما ذا يصرفه ، فالمال للَّه وله المنّة عليه إذ أعطاه ، ثمّ وفّقه لبذله فلم يستعظم في حقّ اللَّه ما هو عين حقّ اللَّه سبحانه وإن كان مقامه يقتضي أن ينظر إلى الآخرة وأنّه يبذله للثواب فلم يستعظم بذل ما ينتظر عليه أضعافه ، وأمّا العمل فهو أن يعطيه عطاء الخجل من بخله بإمساكه بقيّة ماله عن اللَّه فيكون هيئته في الانكسار والحياء كهيئة من يطالب بردّ وديعة فيمسك بعضها ويردّ البعض لأنّ المال كلَّه للَّه وبذل جميعه هو الأحبّ عند اللَّه وإنّما لم يأمر به عبده لأنّه يشقّ عليه بسبب بخله كما قال تعالى : « إن يسئلكموها فيحفكم تبخلوا » ( 1 ) . الوظيفة السابعة أن ينتقي من ماله أجوده وأحبّه إليه وأجلَّه وأطيبه فإنّ اللَّه طيّب لا يقبل إلا طيّبا ، وإذا كان المخرج من شبهة فربّما لا يكون ملكا له طلقا فلا يقع الموقع وفي بعض الأخبار « طوبى لعبد أنفق من مال اكتسبه من غير معصية » ( 2 ) وإذا لم يكن المخرج من جيّد المال فهو من سوء الأدب إذ يمسك الجيّد لنفسه أو لعبده أو أهله فيكون قد آثر على اللَّه غيره ولو فعل هذا بضيفه وقدّم إليه أردى طعام في بيته لأوغر به صدره ، هذا إن كان نظره إلى اللَّه وإن كان نظره إلى نفسه وثوابه في الآخرة فليس بعاقل من يؤثر غيره على نفسه ، وليس له من ماله إلا ما تصدّق فأبقى أو أكل فأفنى والَّذي يأكله قضاء وطرفي الحال ، فليس من العقل قصور النظر على العاجلة وترك الادّخار ، وقد قال تعالى : « أنفقوا من طيّبات ما كسبتم وممّا أخرجنا لكم من الأرض ولا تيمّموا الخبيث منه تنفقون ولستم بآخذيه إلا أن تغمضوا فيه » ( 3 ) أي ما لا تأخذونه إلا مع كراهية وحياء ، وهو معنى الإغماض ، فلا تؤثروا به ربّكم وفي الخبر « سبق درهم مائة ألف درهم » وذلك بأن يخرجه الإنسان وهو من أجلّ ماله وأجوده فيصدر ذلك عن الرضا والفرح بالبذل ، وقد يخرج مائة ألف درهم ممّا يكره من ماله
--> ( 1 ) سورة محمد : 37 . ( 2 ) مر سابقا عن الكافي وغيره . ( 3 ) البقرة : 267 . ( 4 ) أخرجه النسائي ج 5 ص 59 .